عمر فروخ
465
تاريخ الأدب العربي
وكان أسلوبه فخما متينا جدّا وغنيا بالتشابيه البارعة والاستعارات الأنيقة وبعض الصناعة اللفظية ، فلقد كان المتنبّي من أتباع المذهب الشاميّ القائم على التأنّق في التعبير . ولم يعر أسلوب المتنبّي نفسه إلّا للفخر والمديح ، وكان الفخر والمديح يغلبان على كل فنّ آخر من فنون المتنبّي . أما الحكمة فنثرها المتنبي في جميع قصائده . وله شيء من الوصف ومن الشعر الوجداني الخالص . أما مقامه في الشعر فقد أفاض فيه النقاد وأجمعوا على أنه في المقام الأول بين جميع الشعراء وفوقهم . وأشهر الأقوال في ذلك ، عند الموازنة بين الشعراء كلهم ، قول ابن رشيق القيروانيّ « 1 » : « وليس في المولّدين أشهر اسما من الحسن أبي نواس ، ثم حبيب « 2 » والبحتريّ ، ويقال إنهما أخملا في زمانهما خمسمائة شاعر كلّهم مجيد . ثم يتبعهما في الاشتهار ابن الرومي وابن المعتز ، فطار اسم ابن المعتز حتى صار كالحسن في المولّدين وامرئ القيس في القدماء . فإنّ هؤلاء الثلاثة ( أبا نواس وأبا تمّام والبحتريّ ) لا يكاد يجهلهم أحد من الناس . ثم جاء المتنبي فملأ الدنيا وشغل الناس » . وفي سنة 1354 ه ( 1935 م ) احتفل العالم العربي بمرور ألف سنة قمرية ( 354 - 1354 ه ) على وفاة المتنبّي ، وقد أقام عدد من الدول الأجنبية اجتماعات لمناسبة هذه الذكرى . أ - فخره : كان المتنبّي متعاظما شديد الذهاب بنفسه لا يرى أحدا فوقه ولا أحدا مثله . وقد ملأ قصائده بالفخر ، حتى تلك التي كان يلقيها بين يدي الممدوحين . وربما رفع نفسه فوقهم . وكان المتنبّي يفتخر بأسلافه وبأهله وبنفسه : يفتخر بعفّته ووفائه وعزمه وبنفوذ بصره في الأمور ، كما كان يفتخر بشعره ويجعل معاني الشعراء المعاصرين له تبعا لمعانيه هو : أخذوها منه ثم نسبوها إلى أنفسهم ومدحوا بها ممدوحيهم . فمن فخره المشهور قوله ( في دوره الاوّل ) :
--> ( 1 ) العمدة 1 : 82 . ( 2 ) حبيب : أبو تمام ( حبيب بن أوس ) .